الشيخ اسماعيل الصالحي المازندراني
58
مفتاح الأصول
أمّا الثّاني : فلأنّه بعد ما عرفت آنفا ، من كون الوضع تدريجيّا ، ظهر لك ، أنّ الواضع ليس شخصا واحدا أو أشخاصا معيّنين موجودين في عصر واحد ، حتّى يضبط عمله أو عملهم في التّاريخ ، بل الواضعون كثيرون طول الأعصار والقرون . أمّا الثّالث : فلأنّه لا واسطة بين الجعلين ( التّشريعي والتّكويني ) فإن كان الشّيء من الأمور الحقيقيّة والأشياء المتأصّلة الّتي لا تدور مدار الاعتبار ، وجودا وعدما وحدوثا وبقاء ، كان أمرا تكوينيّا ، وإلّا كان من الأمور الاعتباريّة . وأمّا الإلهام ، فإن كان بمعنى الهداية الفطريّة التّكوينيّة ، فهي موجودة في جميع الموجودات ، كما يشهد عليه قوله تعالى : فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى . « 1 » وإن كان بمعني الوحي إلى نبيّ من أنبياءه ، فلم يضبط في التّاريخ ، ولا عين ولا أثر منه فيه ، بل قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ « 2 » دليل واضح على عدم نزول الألفاظ عليهم عليهم السّلام من اللّه ، وعلى أن اللّسان ، كان قبل الإرسال والوحي موجودا . وكيف كان ، فمسألة الإلهام وإن كانت حقّة ، إلّا أنّها لا تختصّ بباب الوضع ولا بالإنسان . وأمّا الرّابع : فلأنّ وجود المناسبة بين اللّفظ والمعني ، المجهولة عندنا ، وإن كان ممكنا ثبوتا ، لكن لا دليل عليها إثباتا ، والعلقة الذّاتيّة التّكوينيّة بينهما ، كالملازمة أو العلّيّة ، ممّا عرفت حاله آنفا .
--> ( 1 ) سورة طه ( 20 ) : الآية 5 . ( 2 ) سورة إبراهيم ( 14 ) : الآية 4 .